جريمة اللواط تنتشر بين أبنائنا!!
بسم الله الرحمن الرحيم ..
إخوَتيْ وَأخوَاتِي الشُرَفاء ..
أحَيّيّكم جَمِيعَاً بتحِيَةِ أهلِ الجنةِ يَومَ يَلقوْنَ رَبّهُم ، السّلامُ عَليكُم وَرَحمَة اللهِ وبَرَكاتهُ ..
وَأسألُ اللهَ العَليّ القديرَ أنْ يُوَفِقني في مَا أوَدُ كِتابَتهُ وأنْ يَجعَلهُ خالِصَاً لِوَجهِهِ الكَريم ..
أحبتي الشرفاء ، أستبيحكم عذراً في أن أكتبُ اليوم بينكم مجدداً عن ظاهرةٍ خطيرة تجتاح مجتمعاتنا بأعداد غفيرة ونسبٍ هائلة ، تتعَلقُ بأبنائنا وأبنائِكم الذكور ، الذين نغفل أحياناً عن القيام بالدور التربويّ الأمثل تجاهَهُم ونتفاجئ فيما بعد بأنهم قد استقوا الفكرَ التربويّ من الشارعِ وأهل الشارعِ ، وشتانَ بين تربية البيت وبين تربية الشارع ..
ولن أتطرق في حديثي لأسس التربيةِ ومَدلولاتها وواجبات الأب التربوية تجاه أبنائه والأثر المترتب على إهمال هذا الجانب المهم من جانب الحياة ، فقد كَـتب الكُـتاب وأثروا الساحة بما فيه الخير والنفع بإذن الله ، ولكني أستبيحكم عذراً في الكتابة عن ظاهرة خاصة جداً جداً ، أجدُ في طرحها تحَرّجَا من أن تـُـمَج أو تـُـرفض بحجة أن بعض العائلات لا تعرف هذه الظاهرة ولم تسمع بها من قبل ..
وقد وجدت الرغبة من بعض الإخوة والأخوات للكتابة عن هذه الظاهرة لخطورتها وتفشيها في المجتمع ، وهاأنذا أكتبُ راجياً العون والتوفيق من الله وحده ، ومؤمّلاً أن يجد هذا الموضوع صداهُ لدى إخوتي الأباء وأخواتي الأمهات .. فهذه الظاهرة موجودة بين ظهرانينا وحبالها توشكُ أن توقعَ بعشراتِ بل مئاتِ وألافِ الأبناءِ والطلابِ في المدارسِ والأحياءِ وفي كل مكان يتواجد فيه الشباب بمختلف أعمارهم ومختلف إهتماماتهم .. الظاهرة التي أعنيها أيها الشرفاء هي ظاهرة التحرش الجنسي بالأبناء الذكور [ اللواط ] أجارنا الله وإياكم .
وقبل الخوض معكم في غِمار الموضوع وجنباته ، لدي طلبٌ بسيط أرجو أن يوضَعَ في الإعتبار ..
أرجو وآمل ممن لا يود القراءة عن مثل هذه الموضوعات من الإخوة أو الأخوات أن ينصرفوا راشدين..
وألا يجهدوا أنفسهم بالقراءة ثم ألسنتهم بالحسبلة والحوقلة على ( هادئ الطباع ) وموضوعه ..
أحبتي الأباء والأمهات ، خذوا هذا الإعتراف من محبكم ( هادئ الطباع ) الذي يتألم قلبهُ ويعتصر كمداً وألماً في كل مرة يصل إلى مسامعه خبرٌ عن الطالب الفلاني بأن مجموعة من الطلاب قد استدرجوه لعمل الفاحشة فيه ، أو عن فلان الذي اضطر والده لنقله من المدرسة بسبب تحَرش الطلاب به بإستمرار ، أو عن ذلك الطالب الذي يحرمُهُ والدهُ من الخروج إلى المسجد والحارة بسبب وجود مجموعةٍ من السفهاء الذين يتربصون بهذا الإبن كي يكون لقمة سائغة لهم .. يقضون فيه شهوتهم المتأججة ، ويحققوا بإغتصابه بعضاً من كمالهم الشبابي الواهي ، إذ يظنوا بأن كمالَ الرجولةِ يتحققُ في إدمان التدخين ، والإنفلات الأخلاقي ، والممارسة الدؤوبة لعمل الفاحشة في أبناء الحارة أو المدرسة ..
أسجلُ لكم هذا الإعتراف راجياً ومُأملاً منكم أن تضعوه في الحسبان وألا تمِروه مرور الكرام .. فكلُ أمر يعترض مسيرة الإبن فإنه يمكن للوالدِ أن يتغلبَ عليه .. إلا أن يتعرض الإبن للإغتصاب الجنسي ، هنا سيكون من الصعب جداً على الوالدِ أن ينتشل إبنه من هذا الوحل الموبوء وهذا الخطر المحدق ، الذي يعني لأكثر من تعرضوا له نهاية الرجولة وبداية الإنخراطِ في مسلك الجنس الثالث ، نسأل الله الحفظ والصون ..
أحبتي الأباء والأمهات ، أبناؤكم أمانة في أعناقكم ، والإهتمام بهم ورعايتهم وعنايتهم وتحقيق ما يتمنوهُ أمرٌ لابد من أن يكون في أولوياتكم المعيشية ، تأدية للواجبِ وتبرئة للذمة .. وتقصيركم في حق من حقوقهم يعني بالضرورة أنهم سيبحثوا عن هذا الحق خارج جدران المنزل ، ولن يجدوه في أغلب الأحيان إلا عند أبناء الشوارع ، الذين لا نرتجي منهم خيراً نسأل الله الحفظ والصون .. ولأبناء الشوارع من المآسي والمصائب والجرائم ما يندى له الجبين لهول مصابه ، وشناعة وقعِهِ على أسماع النفوس الزكية ..
وأمرّ هذه المصائبِ وأشدها تأثيراً على الإبن خصوصاً والمجتمع على وجه العموم هي أن يتعرض الإبن في صِغره إلى حادثةِ إغتصاب ، ونحن هنا قد نلومه وقد نلوم من اغتصبه ولكن اللوم الأول يقعُ على الأبِ المهمل والأمِ المهملة ، وعلى تفريطهما في هذه الأمانة العظيمة حتى وصل بها الحد إلى الوقوع في هذا المستنقع الآسن ، فالذي ارتكب الجريمة كائنٌ وضيعٌ قذرٌ لم يجد من يعلمه ويربيه ، ومهما وضعنا اللومَ والعتابَ عليهِ إلا أننا لا ننكر تقصير والد الإبن وإهماله في تربية إبنه وحفظه من هذه العيّـنات القذرة أن تمسّهُ بسوء ..
أحبتي الشرفاء ، ظاهرة التحرش الجنسي بالأبناء الذكور ظاهرة منتشرة بكثرة في مجتمعاتنا العربية - والمجتمع السعودي على وجه الخصوص - نظراً لأني أعيش بين جنباته وأعرفُ بعضَ ما يحدثُ في أوساطِه ، يندر أن تخلو منها مدرسة أو يخلو منها حي ، وهي منتشرة في مجتمعاتنا بأعدادٍ هائلةٍ جداً ، فلا يمكن لأحد حصرها أو تحديد مرتكبيها ، لأنها للأسف تجدُ رَوَاجَاً منقطعَ النظير بين أوساط الشباب من سن الثامنةِ والتاسعةِ وحتى سن العشرين ، وربما بعضهم تجاوزَ العشرين وتعداها وربما أيضا تزوجَ ولا تزالُ هذه الرغبة الحيوانية البهيمية تسيطر عليه وتستحوذ على فِكره وتجعلهُ يُمَنّي النفسَ بإصطيادِ فريسة يقضي معه شهوته المتأججة وعَطشه لهذه الجريمة النكراء التي لم يعاقب اللهُ قوماً من الأقوام كما عاقبَ مرتكبيها [ قوم لوطٍ ] عليه السلام ..
وإقرارانا بوجود هذه الأعداد الكثيرة التي تمارسها وتدمن عليها يجعلنا نحرصَ أشدّ الحرص ونحذر أشد الحذر من أن يقع أبناؤنا فريسة لهؤلاء الذئاب البشرية ، لأن وقوعهم في حبال هذه المعصية يعود عليهم بمآسي ومصائب يندى لها الجبين ، مآسي ومصائب تجعل الإبن أشبه بالجنس الأنثوي منه إلى الجنس الذكوري ، مآسي ومصائب تجعل الحليم حيرانا ويشيب من هولها الولدان ويهتز لها وجدان كل حُرٍ أبيّ يرفض الظلم على بشر ، فضلا عن أن يرضاه على إبنه وفلذة كبده ..
وسأبتدئ حديثي بمشيئة الله تعالى ببيان تحريم هذا العمل المنكر ، مستدلاً بصريح الكتاب والسنة ، كما سأذكر الحكمة الربانية من تحريمه والإعجاز العلمي في ذلك .. وبعدها سأحاول أن أذكر لكم الأسبابَ التي تجعل الإبنَ يقع في شراكِ هذهِ الجريمةِ النكراء ، ثم سأذكرُ الطرقَ والأساليبَ التي يتخذها ضعافُ النفوس للإيقاع بالأبناء في شراكِ هذه المعصية القذرة كي نـَحذر ونـُحذر منها ، معقباً بعدها على أبرز الأماكن التي تتم فيها ممارسة هذه المعصية ، ثم الأثر المترتب عليها لدى الإبن المفعول فيه وعلى والدهِ ووالدتهِ وإخوتهِ وأخواتهِ ، وسَأعرجُ بعدَ ذلكَ على ذِكر طرق وأساليب الخلاص منها - إن كانت وقعت - حتى ينهَجهَا وتنهَجهَا من ابتلاهََا الله بإبن ٍ مصابٍ بهذهِ المعصية.. .
تحريم هذه الفاحشة في القرآن والسنة والتحذير منها ..
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل في سورة الأعراف [ ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحدٍ من العالمين ، إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ] ، ويقول عز شأنه في سورة الشعراء على لسان لوطٍ عليه السلام [ أتأتون الذكران من العالمين ، وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون ] .. ومن السنة يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم [ إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط ] .. وفي عقوبة هذه الجريمة قال صلى الله عليه وسلم [ اقتلوا الفاعل والمفعول به ] .. وصرح في حديث ثالث باللعن لمن مارس هذه المعصية فقال عليه الصلاة والسلام [ لعن الله من عمل عمل قوم لوط ] ..
فالله سبحانه وتعالى أنكر عليهم إتيان الذكران لأن في هذا منافاة للفطرة البشرية وعدم تحقق مصلحة من وراء ذلك ، فإتيان الرجل أهله له من الفوائد والخصال الحميدة الشيء الكثير ، بينما إتيانُ الذكر لا فائدة منه بل هو وبال وخسران ، ولهذا ألحق الله بهم في سورة الأعراف صفة الإسراف ؛ وهي أنهم أسرفوا وخرجوا عن الإعتدال البشري والفطرة السوية ، وألحق بهم في آية الشعراء صفة الإعتداء ، وهي أنهم جاوزوا الحد في جميع المعاصي وعلى رأسها هذه الفاحشة العظيمة ..
كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم عظم شأن هذه المعصية بخوفه على أمته منها لمعرفته بأضرارها وأخطارها المترتبة عليها ، صلى الله عليه وسلم من رسول رحيم مشفق محب ..
وقد أجمع المسلمون من أهل الملل أن التلوط من الكبائر ، وأنه أفحش من الزنا وأقبح ..
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في ( مجموع الفتاوى ) : والراجح أن اللوطي يُقتل ، الفاعل والمفعول به ، محصنين كانا أو غير محصنين ، حرين أو مملوكين ، أو كان أحدهما مملوكا والآخر حرا ، إذا كانا بالغين .. فإن كان أحدهما غير بالغ عوقب بما دون القتل ، وقتلهما بالرجم ..
وقال الشوكاني في ( نيل الأوطار ) : وما أحق مرتكب هذه الجريمة ومقارب هذه الرذيلة الذميمة بأن يُعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين ، ويُعذب عذابا يكسر شهوة الفسقة المتمردين ، فحقيق بمن أتى فاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين ، أن يُصْلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم ، وقد خسف الله بهم واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم .. .
الإعجاز العلمي في تحريم فاحشة اللواط .. وعن الحكمة الربانية الباهرة في تحريم هذا العمل المشين ، والإعجاز العلمي في تحريم فاحشة اللواط .. يقول الأستاذ محمد كامل عبدالصمد في كتابه ( الإعجاز العلمي في الإسلام ) عن ظاهرة اللواط وحكمة الشرع في تحريمها والتحذير منها :
واللواط بجانب ذلك يسبب إختلالا كبيرا في توازن عقل الشخص ، وإرتباكا عاما في تفكيره ، وركودا غريبا في تصوراته ، وضعفا شديداً في إرادته ، وإن ذلك ليرجع إلى قلة الإفرازات الداخلية التي تفرزها الغدة الدرقية ، والغدد فوق الكلى وغيرها ، مما يتأثر باللواط تأثيرا مباشرا ..
ومن شأن اللواط أن يصرف الرجل عن المرأة ، وقد يبلغ به الأمر إلى حد العجز عن مباشرتها ، وبذلك تتعطل أهم وظيفة من وظائف الزواج ، وهي إيجاد النسل ، ولو قدر لمثل هذا الرجل أن يتزوج فإن زوجته تكون ضحية من الضحايا ، فلا تظفر بالسكينة ولا بالمودة ، فتقضي حياتها معذبة معلقة لاهي متزوجة ولاهي مطلقة ..
ومن الأضرار التي يسببها اللواط الإنعكاس النفسي في خلق الفرد ، فيشعر في صميم نفسه بأنه ما خلق ليكون رجلا ، وينقلب الشعور إلى شذوذ به ، فيشعر بميل إلى بني جنسه ، وتتجه أفكاره الخبيثة إلى أعضائهم التناسلية ، ولقد أثبتت كتب الطب كثيرا من الوقائع الغريبة التي تتعلق بهذا الشذوذ مما لا يتسع المجال لذكرها هنا ..
ولا يقتصر الأمر على إصابة الممارس بالإنعكاس النفسي ، بل هناك ما تسببه هذه الفاحشة من إضعاف القوى النفسية الطبيعية في الشخص كذلك ، وما تحدثه من جعله عرضة للإصابة بأمراض عصبية شاذة ، وعلل نفسية شديدة تفقده لذة الحياة ..
وغير ذلك من الآثار الضارة سواء في الجانب النفسي الإجتماعي أو في الجانب العضوي .. وهانحن نرى عقوبة المولى عز وجل لمن يمارسون الشذوذ بفقدان المناعة ، ومن ثم بالموت العاجل .. برغم أن القرآن قد ذكرنا بأن الله أهلك قوم لوط بسبب ممارستهم لتلك الفاحشة ، ولكن هل من مدكر ؟
تناولتُ الإعجاز من الجانب النفسي على الإبن ، وسأذكر في جزئيةِ الأثر المترتب على هذا الفعل على الإبن المفعول فيه ؛ الأثر الطبي والجسدي المترتب على هذه الممارسة .. .
أما الآن بعد أن توصلنا إلى معرفة الحكم الشرعي لهذه الفاحشة والحكمة الربانية فيه فسأذكر مجتهدا الأسبابِ التي تجعل الإبن يقع في حبال هذه المعصية ..
[ 1 ] ـ غفلة الأب عن الإبن قبل وقوع الجريمة : حيث يظن الأب بأن مهمته في الحياة تتلخص في تسمين الأبناء وتأمين إحتياجاتهم المنزلية والمعيشية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ، وإحضار ما يحتاجونه من لوازم مدرسية أو مكتبية ونحو ذلك ، ونسي هذا المسكين بأن الأبناء بحاجة ماسة - خصوصا في هذا الزمن - إلى جرعات تربوية مكثفة ترشدهم إلى مكارم الأخلاق وفضائلها وتنأى بهم عن مثل هذه القاذورات التي تتنافى مع الفطرة السوية ..
وحين يتخلى الأب عن دوره التربوي الإيماني الذي هو حق من حقوق أبنائه عليه فلن يجد الإبن من ينصحهُ ويرشدهُ ويعلمهُ الخطأ والصواب ، خصوصاً إن كانت والدتهُ تماثلُ أباهُ في ضعف الجانب التربوي وإهتمامها بالزيارات والصاحبات أكثر من إهتمامها بأبنائها وبناتها .. وسيجد الإبن نفسه فيما بعد مضطراً للبحث عمن يكمل له رصيده التربوي ..
وربما صادف في بحثه شابا صالحا ناصحا مليح السجايا هادئ الطباع حسن المظهر والمبطن عليه أثر الخير والصلاح يشِعُ وجهه نوراً وإيماناً فكان له نعمَ المعينُ على الخير والطاعة فسعِد الإبن وسعِد أهله ، وعوّضه – ولو قليلاً – عما كان يجب أن يجده من والده من تربية وحرص وإهتمام ، وربما صادف كذلك في بحثه شابا خبيثا قذرا وضيعا لم يترك من مكارم الأخلاق شيئاً إلا تبرأ منه ولم يدع من الأخلاق الرذيلة شيئاً إلا تخلق به وأصبح به يُعرَف فشقي الإبن وشقي أهله نسأل الله السلامة والعافية ..
[ 2 ] ـ جبروت الأب وتسلطه القاسي على الإبن : هذه النقطة لا تتعارض مع النقطة السابقة ، فالإبن قد يجد من والده ملاحظة وملازمة ومتابعة وتربية ، إلا أن هذا كله يأتي إلى الإبن مصحوباً بسيل ٍ من الألفاظِ السيئة وربما صاحَبَه سيلٌ آخر من الضرب والتهزيء والتوبيخ والهمجية في التعامل ، فينشئُ الإبنُ بعيداً عن حضن الأبوة الحاني ، يبحث عن والد ٍِ يشكي إليه همومه ومتاعبه وما يؤرقه في مدرسته أو حيّه فلا يجد إلا والده الذي يتفنن في إساءة معاملته وكأن الإبن قد ارتكب السبع الموبقات ، وهذا التصرف القاسي والجبروت المتسلط لن يزول من ذاكرة الإبن سريعا وسيظل يتذكره في كل مرة يتذكر فيها أباه ، ولربما دعى عليه بالموت أو المرض أو منّى النفس بأنه حين يكبر فسيسترجع حقه المسلوب من والده وسيعامله بالمثل ..
ومع الأيام سيشعر الإبن بأنه أصبحَ يتيماً بالرغم من أن والده لا يزال على قيد الحياة ، وشعورهُ باليتم لم يأتِ من فراغ ، وإنما لأنه يفتقد فعلاً لأبوّةِ والدهِ ويرى بأن أبناء الحي وطلاب المدرسة أكمل منه حين يراهم مع آبائهم في السيارة أو الطريق ؛ والبسمة تعلو محياهم والفرحة لا تسعهم ويجد أباءهم يبادلونهم نفس الشعور وربما أكثر .. ويعود إلى واقعه المرّ بعدها ليجد نفسه مصدوما بأب ٍ متجبر متسلط ، اتخذ من الأبوّةِ مسلكا ينفذ به قوته وغطرسته على حساب إبنه ونفسيته المحطمة ..
[ 3 ] ـ الأم وتغييبها للعاطفة في حياة الإبن : قد تتعجب الأمهات من هذه النقطة ، وهل يصح أن ننسب وقوع هذه الجريمة إلى الأم ؟ وما دور العاطفة في هذا كله ؟
فأقول نعم ، أنتي أيتها الأم على عاتقك مسؤولية كبرى في هذه المسألة ويجب عليك ِ أن تعي هذا جيداً وتدركيه ، فالإبن لم ينجرّ خلف هؤلاء السفهاء إلا لأنه يبحثُ عن أمر يفتقده في بيته ، يبحثُ عن الحب ، يبحثُ عن الحنان ، يبحثُ عن القرب ، يبحثُ عن الرصيد العاطفي في حياته ، يسمعُ عن فلان بأن أمَهُ تقبله كل صباح قبل الذهاب إلى المدرسة ، وفلان الآخر الذي تعطره أمه كل صباح ، والثالث الذي تحبه أمه وتشعِره بحبها وأنه قطعة من جسدها ولا تستطيع أن تفارقه وتغفل عنه .. يسمعُ هذا كلهِ وأكثر ويُقـيّـم بينه وبين أمه وتعاملها معه ، فلا يتذكر إلا الوجه العابس في الصباح ، والخصام والصراخ بعد العودة من المدرسة ، والتوبيخ حين يحين دور الواجبات المدرسية ، وربما الضرب والتهزيء والحرمان من المصروف لأتفه سبب ، أنا لا أعمم وإنما هذا واقع بعض العوائل ..
فيحاول الإبن جاهدا أن يتذكر مرة واحدة صَرّحَت له فيها أمهُ بحبها له فلا يجد ، ويحاول أن يتذكر مرةً واحدةً طبعت الأمُ فيها قبلةً على خده أو جبينه فلا يجد ، ويجدُ نفسهُ بعد هذا كلِه مضطراً للبحث بجد ٍ عمن يملئُ عليه رصيده العاطفي ويكيلُ له الكلمات الدافئة ومعسول الأحرف الرومانسية والشاعرية ويحسسه بقيمته في المجتمع وأن هنالك من يسأل عنه ويبحث عن مجالسته ومصاحبته ، ولن يطول بحثه فالذئاب البشرية تحيط به في المدرسة والحي ولن تفرط فيه أبداً إن وجدت منه رغبة في التعرف عليهم ومصاحبتهم ..
فالإبن في مرحلة المراهقة بحاجةٍ ماسةٍ إلى ملأ رصيده العاطفي وإشعاره بالحب والحنان ، وفقدانه لملأ هذا الرصيد في المنزل سيجعله يحاول ملأه بين سفهاء المدرسة والحي ، ولن يطول إنتظاره لهم فسيأتوا إليه متعطشين متلهفين ، مظهرين الحب والحنان ، ومشاعرهم من الداخل تمنـّـي النفس بفريسة جديدة يقضوا فيها شهوتهم ويستعبدوها فيما بعد لتنفيذ رغباتهم وحاجاتهم القذرة .
[ 4 ] ـ ضعف شخصية الأب في الحي والمدرسة : لأن الشاب القذر الذي يمارس هذه المعصية لن يستطيع أو يتجرأ على الإقتراب من أبناء الرجل الذي له كلمته القوية في الحي وله شخصيته التي لا يُستهان بها ، فهذا القذر يعلم في قرارة نفسه بأنه إن أقدم على محاولة الإنفراد بإبن هذا الرجل أو محاولة إرضاخه بالقوة ثم علم أبوه فيما بعد بالأمر فلربما أتى إليه هذا الأب وسفهَهُ وضربَهُ وشوّهَ سمعتهُ في الحي وأهانُ والدهُ وأهلهُ وربما طردهم من الحي لأنه سليط اللسان قوي الشخصية يقدم مصلحة أبنائه على كل إعتبار ..
ولذا فإن السفهاء - في الغالب - يبحثوا عن الإبن الذي ابتلاه الله بأب ٍ هيّن ليّن متبلد الإحساس مسلوب الرجولة الحقة يظن أن كل من حوله يماثله في السذاجة والسطحية ، وهم يعلموا بأن الأب إن علم بالأمر لاحقاً فلن يتعدى دوره أن ينصحهم ويستلطفهم ويترجاهم كي يبتعدوا عن إبنه وألا يتعرضوا له بسوء ..
لاحظوا الفرق بين عبارة ( ينصحهم ويستلطفهم ويترجاهم ) وعبارة ( سفهَهُ وضربَهُ وشوّهَ سمعتهُ ) ..
كما أن قوة الشخصية في الحي لا تعني بالضرورة التسلط ، والعنجهية ، وفرض الرأي بالقوة ، وتوبيخ أبناء الحي والقسوة معهم ، لأن من كان هذا أسلوبه فسيحاول أبناء الحي التسلط على إبنه لا لشيءٍ إلا لإهانةِ أبيهِ وإرغام أنفهِ في الترابِ حين يصلُ إلى مسامعه بأن فلان الذي طالما ضربه الأبُ وعاتبه قد أرتكب الفاحشة في إبنه ..
لا أنكر بأنه قد أخطأ هذا القذر وتعدى الحدود ، ولكن اللوم يقع عليه ويقع في الوقت ذاته على الأب الذي كوّن لنفسه عداوات في الحي لم يكن لها داع ٍ إن هو تعامل معهم بالحكمةِ والإبتسامةِ والأريحيةِ في الحديث وربما لاعبَهم ومازحَهم بحدودٍ لا تجرأهم عليه أو على أبنائه .
في أن يفتدي بروحه إكراماً لنفسه ولجسده من أن يتعرض لهذه الجريمة النكراء ..
|